أكّد رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع أنّ لبنان لا يستطيع معالجة أزمة العمّال والاقتصاد والقدرة الشرائية من دون دولة فعلية وسياسات عامة صحيحة، معتبراً أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في العلاقة بين العامل وربّ العمل، بل في غياب الدولة والقرار السياسي المسؤول. وشدّد على أنّ مقولة “صراع الطبقات” باتت من الماضي، وأنّ العامل وربّ العمل يشكّلان حلقتين في السلسلة الاقتصادية ذاتها، فإذا ضعفت إحداهما ضعفت السلسلة كلّها. ولفت إلى أنّ ما أصاب لبنان من حروب وانهيارات وخسائر بمليارات الدولارات سببه خيارات سياسية خاطئة ومسؤولون لم يكونوا على مستوى المسؤولية، مؤكداً أنّ المواطنين هم من يختارون هؤلاء المسؤولين عبر الانتخابات، وأنّ مصيرهم ومصير أولادهم وسيادة بلدهم وحريتهم يبقى في أيديهم متى أحسنوا استخدام صوتهم الانتخابي واختاروا من يحمل قضيتهم ويواجه من أجل بناء دولة حقيقية.
كلام جعجع ورد لمناسبة عيد العمّال في الأوّل من أيار، في مؤتمر نظّمته مصلحة النقابات في حزب “القوّات اللبنانيّة” بعنوان: “عمّال لبنان: صمود بين الحرب والانهيار”، في المقرّ العام للحزب في معراب، بمشاركة النائب غسان حاصباني، الوزير السابق زياد بارود، النائب السابق أنطوان زهرا، الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل، عضوي الهيئة التنفيذيّة في الحزب مايا الزغريني ودانيال سبيرو، رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، المدير عام لأوجيرو أحمد بسّام عويدات، المدير العام للإنشاء والتجهيز في وزارة الاتصالات ناجي إندراوس، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الصناعيين جورج نصراوي، الأمين المساعد لشؤون المصالح نبيل أبو جودة، الأمين العام للعمال والقطاع العام في حزب “الكتائب اللبنانيّة” زياد كعدي، مفوّض الشؤون العمّالية في “الحزب التقدمي الاشتراكي” والأمين العام لجبهة التحرّر العمّالي في لبنان وليد شميط، رئيس التكتّل النقابي المستقل وعضو مجلس إدارة الضمان جورج علم، ممثّل رئيس مجلس إدارة حصر التبغ والتنباك وعضو مجلس الإدارة مازن عبّود، عضو مجلس إدارة شركة ألفا فريدي كيروز، إلى جانب حشد من النقباء وممثلي المهن والتجمّعات المختلفة
.

كما حضر المؤتمر الإعلاميون بشارة خيرالله، طوني بولس، ساميا خدّاج، وأنطوان فرح، إضافة إلى رئيسة مصلحة الصيادلة في الحزب ريما فضّول، رئيس مصلحة الأساتذة الجامعيين في الحزب جميل حبيب، رئيس مصلحة رجال الأعمال في الحزب الياس كرم، رئيس مصلحة النقابات في الحزب طوني نون، وعضوا المجلس المركزي في الحزب: إيلين خاطر شمّاس وإيمي عون، وأعضاء الهيئة الإداريّة لمصلحة النقابات ورؤساء دوائر المصلحة وخلاياها.
ولفت جعجع إلى أنّ “النظريات التي قامت على صراع الطبقات لم تعد صالحة في الزمن الحاضر، ولا تعكس حقيقة تطوّر المجتمعات والاقتصادات، إذ إنّ العلاقة بين العمّال وأرباب العمل هي علاقة تكامل لا تصادم، ضمن سلسلة واحدة إذا انكسرت في حلقة منها انهارت بكاملها”، مشيراً إلى أنّ “العمال يشكّلون جزءاً أساسياً من الاقتصاد، لكنهم لا يستطيعون العمل من دون أرباب العمل، كما أنّ أرباب العمل لا يمكنهم الاستمرار من دون العمّال، ما يفرض انسجاماً كاملاً بين الطرفين”.
وشدّد على أنّ “لبنان لا يحتمل مقاربات أيديولوجية متخلّفة، بل يحتاج إلى خيارات قائمة على الإنتاجية والمنطق، بعيداً من الشعبوية أو الانحياز الأعمى لأي طرف”، معتبراً أنّ “الدول التي تحترم الاستثمار ورأس المال هي الدول الأكثر تقدّماً واستقراراً، فيما تعاني الدول التي تعادي هذه المفاهيم الفقر والتراجع”.
وفي مقاربة مباشرة للواقع اللبناني، أشار جعجع إلى أنّ “أي إصلاح فعلي لواقع العمّال لا يمكن أن يتحقّق بمعزل عن إصلاح السياسات العامة في البلاد”، مؤكداً أنّ “الجهود النقابية كلها تبقى محدودة الأثر في ظل غياب دولة فعلية قادرة على وضع سياسات اقتصادية ومالية سليمة”.
وأوضح أنّ “الأزمات التي يعيشها لبنان، بما فيها الحروب المتكرّرة والخسائر الاقتصادية الهائلة، هي نتيجة مباشرة لخيارات سياسية خاطئة”، لافتاً إلى أنّ “تكلفة جولات الصراع الأخيرة بلغت مليارات الدولارات، وهي أموال دفعها اللبنانيون نتيجة غياب القرار السياسي المسؤول”.
وأشار إلى أنّ “النظام الديمقراطي في لبنان ما زال قائماً، ما يحمّل المواطنين مسؤولية مباشرة في اختيار ممثليهم”، مؤكداً أنّ “المجلس النيابي هو أساس السلطات، وهو من يعطي الثقة للحكومة التي من خلالها تُرسم السياسات العامة وتُحدّد توجهات الدولة”، داعياً إلى “التصويت على أساس البرامج والقدرة على إدارة الدولة، لا على أساس العلاقات الشخصية أو المناطقية”.
وختم جعجع بالقول: “إلى جانب العمل النقابي والمهني كله الذي تقومون به، يبقى الأساس أن تبقوا يقظين تجاه الشأن العام، لأنّ جهودكم كلها يمكن أن تضيع في لحظة إذا لم يكن هناك دولة حقيقية واستقرار فعلي. لم يعد هناك صراع طبقات، بل مسؤولية مشتركة، والأهم أنّ مصيرنا في أيدينا، ونحن من نقرّر من خلال خياراتنا الطريق الذي نريد أن نسلكه للوصول إلى الخلاص المنشود وهذا ما يجب أن تعملوا على نشره بين الناس”.
وكان المؤتمر قد استُهل بالنشيد الوطني اللبناني ونشيد القوّات اللبنانيّة، ثم ألقى رئيس المصلحة طوني نون كلمة قال فيها: “لبنان لن يموت ما دام فيه عمّال يعملون. وها نحن اليوم هنا، عمّالاً مناضلين ونقباء ونقابيين، نعمل ونناضل، لأننا قومٌ نتعب حين نرتاح”.
وأضاف نون: “إن أزمة لبنان ليست أزمة رواتب فحسب، بل أزمة دولة غائبة. فكيف ننتظر بيئة عمل لائقة في غياب دولة تطبّق القانون؟ وكيف ننتظر وطناً حرّاً فيما قراره مرهون للحرس الثوري، والسلاح فيه يتقدّم على أي حكم دستوري؟”.
وتابع: “لا تحسين حقيقياً لظروف العمّال في لبنان من دون بناء الدولة، ولا أمان للعامل اللبناني من دون استقرار الوطن”.
وأكد نون أنّ القوّات اللبنانيّة تؤمن إيماناً راسخاً بأن الدولة القوية والعادلة هي الضمانة الأولى والأخيرة لحقوق العمّال، لأنها وحدها تشرّع وتنفّذ وتحاسب وتحمي. وأضاف: “ولأن بناء الدولة لا يكتمل من دون تنظيم، تقدّمت القوّات اللبنانيّة، عبر تكتّل الجمهورية القوية، باقتراح قانون لتعديل المادة 50 من قانون العمل، بهدف تأمين المزيد من الحماية والضمانات للنقابيين”.
وختم نون كلمته بمناشدة عمّال لبنان قائلاً: “اختاروا الدولة، اختاروا الاستقرار، لأن القرار لكم وحدكم طوال 365 يوماً في السنة، وليس في الأوّل من أيار فحسب”.
وتوزّع المؤتمر على ثلاثة محاور، تولّت الإعلامية جيسي طراد قسطون إدارتها ومحاورة الضيوف خلالها.
ففي المحور الأول، بعنوان “الأمن الوظيفي وحقوق العمّال في ظل الأزمات”، تحدّث الوزير السابق المحامي زياد بارود، مؤكداً أهمية النقابات في حماية العمل، ومشدداً على أنّ النقابات جزء أساسي من المجتمع، ومن حق الأحزاب، كغيرها، أن يكون لها حضور فيها.
وأشار بارود إلى أهمية تطوير النقابات لآليات عملها، قائلاً: “يجب العمل من داخل النقابات نفسها، كما أنّ للإعلام دوراً أساسياً في إبراز النقابات التي تقوم بعملها كما يجب”.
كما شدّد على ضرورة اتخاذ الدولة تدابير تشريعية وإجرائية وتنظيمية، في ظل الحرب التي يعيشها لبنان، بما يطمئن أصحاب العمل والعمّال إلى أنهم ليسوا متروكين لمصيرهم.
أما المحور الثاني، بعنوان “سوق العمل والقدرة الشرائية”، فاستضاف الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور نسيب غبريل، الذي أكّد أهمية العمل على استقرار البلاد من أجل تحسين القدرة الشرائية.
وأشار غبريل إلى أنّ عددا من اللبنانيين يمثلون نسبة معينة توقّفوا عن العمل خلال فترة الحرب في الأشهر الأخيرة، متحدثاً عن التأثير السلبي لاقتصاد الظل على لبنان، معتبراً أنّه من الأسباب التي أدّت إلى إدراج البلاد على اللائحة الرمادية منذ العام 2024، الأمر الذي يدفع الشركات التي تلتزم المعايير القانونية إلى مغادرة لبنان والعمل خارجه، بسبب عدم قدرتها على المنافسة في ظل اقتصاد غير شرعي.
وفي المحور الثالث، بعنوان “دور النقابات وإعادة التنظيم العمّالي”، أكّد النائب غسان حاصباني أهمية دور النقابات خلال الأزمات، مشيراً إلى ضرورة الحفاظ على جودة المهن وحضور العامل.
وأوضح أنّ ذلك يتحقّق عبر التشدّد في منح التراخيص والانتساب إلى النقابات، وتحسين الرقابة وتعزيزها، إلى جانب التدريب المستمر، لافتاً إلى أنّ حماية الكفاءات تُعدّ أمراً أساسياً للتحضير لمرحلة ما بعد الأزمة.
كما شدّد على أهمية الحفاظ على استقرار القطاعات، وإعادة توزيع الكفاءات، ودعم التحوّل نحو العمل عن بُعد، لاستيعاب الصدمة الحالية والاستعداد للتحوّلات المقبلة، قائلاً: “حين يتحسّن الوضع، ينطلق لبنان سريعاً نحو نقلة نوعية، فور تخلّصه من الواقع الذي يرزح تحته اليوم”.







