لبنان بين احتقان الطوائف وهواجس التقسيم: هل ينجو الشارع من الانفجار؟

0
35

خاص : شربل مطر

يشهد الداخل اللبناني مرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع التوترات السياسية، ويبرز فيها تصاعد الخطاب الطائفي كعامل ضغط إضافي يهدّد ما تبقّى من تماسك اجتماعي. هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل يتغذّى من خوف الناس وقلقهم على الهوية والأمن والمستقبل، في ظل غياب حلول واضحة للأزمات المتراكمة.
التجربة اللبنانية تُظهر أن الطائفية غالبًا ما تُستحضر في لحظات الانهيار كوسيلة لحشد الشارع وإعادة شدّ العصبيات، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام انقسامات خطيرة يصعب احتواؤها لاحقًا. ومع ارتفاع منسوب هذا الخطاب، يصبح الشارع أكثر قابلية للاحتكاك، حيث يمكن لأي حادث فردي أو تصريح متشنّج أن يتحوّل إلى شرارة توتر أوسع.
ما يزيد من حساسية المرحلة هو عودة هاجس “تقسيم المناطق” إلى الواجهة، ليس كمشروع سياسي معلن، بل كخوف شعبي يتسلّل إلى التفاصيل اليومية. يظهر ذلك في تراجع التنقّل بين بعض المناطق، وارتفاع النبرة التي تربط الجغرافيا بالانتماء الطائفي، وكأن خطوط تماس غير مرئية بدأت تُرسم في الوعي قبل الأرض. هذا “التقسيم النفسي” أخطر من أي تقسيم فعلي، لأنه يتكرّس تدريجيًا ويُعيد إنتاج العزلة والخوف بين أبناء البلد الواحد.
في موازاة ذلك، يبرز ملف النازحين كعامل إضافي يفاقم التعقيد. فوجود أعداد كبيرة منهم في ظل أزمة اقتصادية خانقة خلق احتكاكًا في بعض المناطق، خاصة مع اشتداد المنافسة على فرص العمل والخدمات. ومع غياب إدارة واضحة لهذا الملف، يصبح سهلًا توظيفه في الخطاب الشعبوي والطائفي، ما يزيد من منسوب التوتر بدل احتوائه. التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون واقعيًا ومتوازنًا: تنظيم الوجود، توزيع الأعباء بعدالة، وفتح قنوات تواصل شفافة مع المجتمع المضيف، لتفادي تحوّله إلى عنصر تفجير داخلي.
في المدى القريب، لا يبدو أن لبنان متجه نحو صدام شامل، إذ لا تزال هناك توازنات داخلية وخارجية تضبط الإيقاع، إضافة إلى إدراك القوى السياسية أن أي انفجار واسع سيكون مكلفًا للجميع. لكن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار حالة “التوتر المزمن”، حيث تبقى البلاد في دائرة الاحتقان مع احتمال وقوع اشتباكات متفرقة تُضعف الدولة وتستنزف المجتمع.
أما تجنّب التصادم في الشارع، فلا يرتبط فقط بالقرار السياسي، بل بوعي جماعي أيضًا. تخفيف حدّة الخطاب الإعلامي والسياسي يشكّل خطوة أساسية، لأن الكلمات كثيرًا ما تتحوّل إلى أفعال. كما أن الحفاظ على حيادية القوى الأمنية وحزمها في آنٍ معًا يبقى عنصرًا حاسمًا في منع أي احتكاك من التوسّع. إلى جانب ذلك، فإن تعزيز المساحات المشتركة بين اللبنانيين—عبر مبادرات مدنية واجتماعية—يساهم في كسر الحواجز النفسية وإعادة بناء الثقة.
ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي، إذ يشكّل الفقر والبطالة أرضًا خصبة لأي تحريض. لذلك، فإن أي تحسّن—even محدود—في الظروف المعيشية قد يخفّف من قابلية الشارع للاشتعال.
في المحصّلة، لبنان اليوم يقف على خط دقيق بين الاحتقان والانفجار، وبين خطر المواجهة المباشرة وخطر التآكل البطيء. تصاعد الخطاب الطائفي، وهواجس التقسيم، وتعقيدات ملف النازحين ليست تحديات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشهد واحد. ومع ذلك، لا يزال هناك هامش لتفادي الأسوأ، إذا تم التعامل مع هذه الملفات بوعي ومسؤولية، وبإرادة حقيقية تمنع انزلاق الشارع إلى ما لا تُحمد عقباه.