بين الزنازين وصفقات السياسة: قانون العفو في لبنان بين الموقوفين الإسلاميين والمبعدين إلى إسرائيل… عدالة أم انقسام

0
28

خاص : شربل مطر

في لبنان، لا يعود الحديث عن قانون العفو مجرّد نقاش قانوني أو إنساني، بل يتحوّل في كل مرة إلى مواجهة مفتوحة مع ذاكرة الحرب والانقسام والطائفية والخوف. فخلف أبواب السجون، وفي ملفات الموقوفين الإسلاميين، وحتى في قضية المبعدين إلى إسرائيل، يقف اللبناني أمام سؤالٍ واحد: كيف يمكن بناء عدالة حقيقية في وطنٍ لم يتصالح بعد مع جراحه القديمة؟
داخل السجون اللبنانية، يعيش آلاف الموقوفين سنوات طويلة بين الانتظار والنسيان. بعضهم ارتكب جرائم واضحة، وبعضهم لا يزال عالقًا في دوامة المحاكمات المؤجّلة والاتهامات غير المحسومة. ويبرز ملف الموقوفين الإسلاميين كواحد من أكثر الملفات حساسية، بسبب ارتباطه بأحداث أمنية دامية شهدها لبنان خلال العقود الماضية. فهناك من يرى أنّ بين هؤلاء من يستحق فرصة جديدة ومحاكمة عادلة بعيدًا عن الانتقام السياسي والطائفي، بينما يخشى آخرون أن يتحوّل أي عفو واسع إلى تهديد للاستقرار وإعادة فتح أبواب التشدّد والفوضى.
لكنّ المشهد لا يتوقّف عند هذا الحد. فمع كل نقاش حول العفو، يعود إلى الواجهة ملف المبعدين أو الفارّين إلى إسرائيل بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. هؤلاء الذين انقسم اللبنانيون حولهم بين من يعتبرهم عملاء خانوا وطنهم وتعاملوا مع الاحتلال، وبين من يرى أنّ بعضهم انجرف خوفًا أو تحت ظروف الحرب والانقسام، وأنّ أبناءهم وعائلاتهم يدفعون الثمن حتى اليوم.
هذا الملف يبقى من أخطر الملفات حساسيةً في الوجدان اللبناني، لأنّه يرتبط مباشرة بذاكرة الاحتلال والدماء والشهداء ومعاناة الجنوب. لذلك، فإنّ أي حديث عن عفو يشمل المبعدين إلى إسرائيل يثير غضب شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرون في الأمر طعنة لتضحيات المقاومين وأهالي القرى التي دفعت ثمن الاحتلال سنوات طويلة.
في المقابل، يطرح آخرون فكرة الفصل بين من تورّط مباشرة بأعمال أمنية وجرائم بحق اللبنانيين، وبين من كان عنصرًا بسيطًا أو أُجبر على الهرب خوفًا من الانتقام بعد الانسحاب الإسرائيلي. ويعتبر هؤلاء أنّ أي معالجة لهذا الملف يجب أن تكون ضمن إطار قضائي واضح يحدّد المسؤوليات الفردية بدل الأحكام الجماعية والانفعالات السياسية.
وهنا تظهر الأزمة اللبنانية بأوضح صورها:
كل ملف يتحوّل إلى قضية طائفية أو شعبوية بدل أن يكون قضية دولة وقانون. فالعفو في لبنان غالبًا لا يُناقش انطلاقًا من مفهوم العدالة، بل من ميزان القوى والحسابات الانتخابية والضغوط الطائفية. وبينما يحتدم الجدل حول الموقوفين الإسلاميين أو المبعدين إلى إسرائيل، يبقى اللبناني البسيط يتساءل: لماذا لا تُفتح بالجدية نفسها ملفات الفساد والنهب والانهيار المالي الذي دمّر حياة ملايين الناس؟
فمن سرق الدولة وأفقر الشعب وأوصل اللبنانيين إلى الجوع والانهيار، لا يزال في كثير من الأحيان محميًا بالسلطة والنفوذ، فيما تمتلئ السجون بأبناء الأحياء الفقيرة والناس الذين سقطوا في الفوضى أو الحرب أو التطرّف أو الخوف. وهنا يشعر المواطن أنّ العدالة في لبنان ليست ميزانًا واحدًا، بل موازين متعدّدة تختلف بحسب الطائفة والزعيم والحماية السياسية.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى عفو يرضي الشارع لساعات ثم يعيد إنتاج الأزمة، بل إلى مصالحة حقيقية مع القانون والعدالة والتاريخ. يحتاج إلى دولة تُحاسب الجميع بمعيارٍ واحد، وتحمي المجتمع من الإرهاب والعمالة والفساد في آنٍ معًا، دون انتقائية أو استغلال سياسي.
لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن، ليس فقط الانقسام أو الفقر أو السجون… بل أن يفقد الناس إيمانهم بأنّ العدالة ما زالت موجودة أصلًا.