العفو العام تحت المجهر: إنقاذ إنساني أم تسوية سياسية

0
17

خاص : اوديت ضو الاسمر

بعيدًا كلّ البعد عن السياسة والتجاذبات السياسية والحملات الانتخابية التي يسعى البعض إلى كسبها على حساب المظلومين وغير المظلومين، وبعيدًا عن الطوائف و ٦ و ٦ مكرّر تبقى الأولوية في قانون العفو العام للناحية الاجتماعية والإنسانية وهذا ما لم تتم معالجته أو التطرّق إليه بشكل كافٍ من أحد.

من هنا، توجّه موقع «صوت الأرز» إلى الأب الدكتور نجيب بعقليني، رئيس جمعيّة «عدل ورحمة»، للحديث عن رؤية الجمعيّة المتعلّقة باقتراح قانون العفو العام ولا سيّما من الناحية الإنسانية والاجتماعية وانعكاساته على الأفراد والعائلات والمجتمع، فكان الحوار التالي:

كيف تنظر «جمعيّة عدل ورحمة» إلى مشروع اقتراح قانون العفو العام من الناحية الإنسانية والاجتماعية؟

انطلاقًا من عمل «جمعيّة عدل ورحمة» منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا في الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا سيّما حقوق المحرومين من حريّتهم والمدمنين على المخدّرات، ومواكبة أوضاع السجون اللبنانية، ما منحها معرفة دقيقة بالواقع الإنساني والاجتماعي والنفسي والصحي داخل السجون، فإننا ننظر إلى مشروع قانون العفو من منظار إنساني واجتماعي ووطني.

فالهدف الأساسي الذي يجب أن يحمله هذا المشروع هو البعد الإنساني الهادف إلى معالجة الأوضاع الاستثنائية التي تعاني منها السجون، من بطء المحاكمات، والتوقيف الطويل من دون أحكام، والظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

ومن خلال متابعتنا الميدانية، ندرك أن هناك عددًا كبيرًا من المظلومين داخل السجون اللبنانية، من بينهم:

  • أشخاص أنهوا مدة محكوميتهم لكنهم ما زالوا محتجزين لأسباب مالية.
  • أشخاص أتمّوا محكومياتهم ولم تصدر بعد قرارات إخلاء سبيلهم.
  • موقوفون أمضوا سنوات في السجن من دون محاكمة، رغم أن الجرائم المنسوبة إليهم تُصنّف ضمن الجنح التي لا تستوجب فترات توقيف طويلة.

لذلك، نرى ضرورة أن يشمل أي مشروع عفو هذه الحالات الإنسانية، وأن تتم دراسة الملفات بدقّة وهدوء ومن دون تسرّع، آخذين في الاعتبار الأوضاع النفسية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها السجناء وعائلاتهم، بما يساهم في إعادة دمج من يستحقّ في المجتمع ومنحه فرصة جديدة.

انطلاقًا مما ذكرتم، هل ترون أن مشروع قانون العفو قد يكون حلًا لمشكلة الاكتظاظ، أم بداية لمشكلة اجتماعية وإنسانية جديدة في حال عدم تأهيل المحكومين للانخراط مجددًا في المجتمع؟

بالتأكيد، لن يكون مشروع قانون العفو حلًا جذريًا ونهائيًا لمشكلة الاكتظاظ في السجون اللبنانية.

فمن خلال خبرتنا الطويلة، ندرك أنّه بعد تنفيذ هذا المشروع ومرور فترة زمنية قصيرة، قد تعود السجون إلى الاكتظاظ نتيجة ارتفاع معدلات الجريمة ، إضافة إلى الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ووجود أعداد كبيرة من الأجانب والنازحين من دول مجاورة، ما ينعكس ضغطًا إضافيًا على الواقع الأمني والاجتماعي والإنساني.

من هنا، لا تُعالج المشكلة بإطلاق السجناء أو تخفيض العقوبات فحسب، بل بمعالجة الأسباب العميقة التي تؤدي إلى العودة نحو الجريمة والانحراف. لذلك، ترى الجمعيّة أن مشروع قانون العفو يجب أن ينظر في طبيعة الجريمة المرتكبة، ومدى استعداد السجين للتغيير الحقيقي وإعادة الاندماج في المجتمع، لا أن ينحصر فقط بمدة العقوبة.

أما الأشخاص الذين سيستفيدون من تخفيض العقوبات، فمن الضروري أن تُفرض عليهم شروط واضحة وحازمة، أبرزها:

  • القبول بالخضوع لبرامج تأهيل نفسي واجتماعي ومهني
  • إثبات حسن السلوك داخل السجن والتعاون مع الإدارة والاختصاصيين.
  • إظهار رغبة فعلية في التغيير وإعادة بناء الذات.

صحيح أن بعض الأشخاص قد يخضعون لبرامج تأهيل من دون تفاعل إيجابي، إلا أن تقييم سلوكهم داخل السجن يبقى مؤشرًا أساسيًا على مدى استعدادهم للعودة إلى المجتمع بصورة سليمة. لذلك، يجب أن يكون حسن السيرة والانضباط داخل السجون من الشروط الجوهرية.

وتؤكد الجمعيّة أن عملية التأهيل لا تنتهي مع خروج السجين إلى الحرية، بل تبدأ مرحلة جديدة من المتابعة النفسية والاجتماعية عبر برامج متخصصة تؤمّنها الدولة بالتعاون مع الجمعيات والمؤسسات المختصة لمساعدتهم على بدء حياة جديدة.

كما يحتاج المجتمع إلى الاطمئنان بأن من نال فرصة جديدة قد خضع فعلًا لمسار إصلاحي وتأهيلي، وأنه خرج بنظرة مختلفة إلى ذاته وإلى المجتمع.

فبعض الأشخاص يعبّرون عن ندمهم بصدق، ويطلبون فرصة جديدة للحياة، ويتمكنون فعلًا من التغيير والتجدّد. في المقابل، يخرج البعض وهم يحملون مشاعر الغضب والنقمة بسبب غياب المرافقة النفسية والإنسانية وعدم الإصغاء إلى معاناتهم.

المطلوب اليوم تحويل السجن إلى مساحة إصلاح وتأهيل، لا مجرد مكان للعقاب، مع الحفاظ على حق الضحية وحق المجتمع، من خلال تحمّل المسؤولية والتعويض المعنوي أو المادي حيث يلزم، بما يعزّز العدالة ويشجّع على بناء مجتمع سليم ومعافى من أمراضه المزمنة.

وهذا ما تقوم به بالفعل جمعيّة «عدل ورحمة»، إذ نحاول مرافقة نزلاء السجون، قدر المستطاع، والإصغاء إليهم، ومتابعة ملفاتهم ضمن الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة، وبالتعاون مع بعض الجهات المانحة والمؤسسات الداعمة.

و ذلك من التأهيل إلى إعادة الإدماج في المجتمع، وصولًا إلى استعادة ثقتهم بأنفسهم، إلى جانب تدريبهم على بعض المهن البسيطة والمتواضعة، وتنظيم نشاطات توعوية وتثقيفية تساعدهم على بناء مسار جديد في حياتهم.

ومن خلال التواصل المستمر مع هؤلاء الأشخاص، نلمس أن قسمًا كبيرًا منهم يمتلك رغبة حقيقية في العودة إلى الحرية بطريقة سليمة ومسؤولة تمنحه فرصة جديدة للحياة.

ومن هنا، يبقى السؤال: هل سنبقى دائمًا ننتظر العدالة المُحقّة للبعض على حساب حرية المجرمين، مع كل قانون عفو عام يُطرح من وقت إلى آخر ويُفصَّل على قياس السياسيين و فسادهم ؟