تلال إقليم التفاح تحت النار.. إسرائيل تبدأ عملية لعزل جنوب لبنان عن البقاع؟

0
9

المصدر: إرم نيوز

لم يكد يُطوى ملف مرتفعات علي الطاهر الإستراتيجية، المشرفة على مدينة النبطية، حتى تراجعت المؤشرات التفاؤلية بشأن التهدئة في جنوب لبنان أمام دوي الانفجارات التي هزّت عمق القطاعين الأوسط والشرقي من جنوب لبنان.

وعادت المقاتلات الحربية الإسرائيلية لتستهدف، بضربات عنيفة، مرتفعات جبل الرفيع وأطراف بلدة سجد في إقليم التفاح.

وتكمن خطورة الضربات الجوية في أنها تعكس تحولًا ميدانيًّا يمهّد لنقل الثقل العسكري الإسرائيلي، بجهده الجوي والبري، نحو قمم إقليم التفاح وجبل الريحان.

وترى مصادر لبنانية أن قصف هذه العقد الجغرافية المرتفعة يمثل مؤشرًا قاطعًا على بدء مرحلة جديدة من العمليات، تستهدف تفكيك خطوط الدفاع الخلفية وقطع أوصال التواصل الجغرافي الحيوي بين جبهات الجنوب اللبناني والبقاع الغربي.

وأشارت المصادر، في تصريح لـ”إرم نيوز”، إلى أنه لفهم أبعاد الغارات الإسرائيلية الأخيرة، لا بدَّ من تفكيك الجغرافيا العسكرية لهذه المنطقة الحاكمة، حيث يقع جبل الرفيع ضمن سلسلة جبلية متصلة ومتلاحمة بمحيط بلدتي سجد والريحان.

وتنبع الأهمية العسكرية لهذا الجبل من كونه نقطة إشراف ناري ورصد بصري كاشفة لأجزاء واسعة من قرى وبلدات إقليم التفاح.

أما فيما يخص جبل الريحان، فتؤكد المصادر اللبنانية أنه يشكل كتلة جغرافية وضرسًا طوبوغرافيًّا أوسع وأكثر خطورة، ويعتبر الريحان صلة الوصل والرافعة التي تربط إقليم التفاح بثلاث مناطق إستراتيجية، تبدأ بمحيط منطقة جزين التي تمثل البوابة الشمالية للجنوب، مرورًا بالبقاع الغربي، وصولًا إلى وادي الليطاني الذي يمثل الممر المائي والخط الدفاعي الشهير.

وتوضح أن التمركز العسكري أو إحكام السيطرة النارية على هذه المرتفعات الشاهقة يمنح الطرف المسيطر ميزة الرصد والسيطرة باتجاه مدينة النبطية وعمق المنطقة الجنوبية بأكملها.

 استهداف شبكات الرصد والإنذار
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج أن الهجمات على جبل الرفيع وسجد لم تكن عشوائية، بل تندرج ضمن خطة إسرائيلية مستحدثة تسعى لتدمير شبكات الرصد والإنذار المبكر.

وأوضح أن إسرائيل ركّزت في غاراتها على استهداف مغاور وتجاويف صخرية محددة في جبل الرفيع، لشكوك استخباراتية حول استخدام هذه المواقع كمراكز رصد متقدمة أو منصات لإطلاق الصواريخ الموجهة الثقيلة وصواريخ الدفاع الجوي.

ويضيف، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن الطيران الإسرائيلي تعمَّد استخدام قنابل اختراقية ثقيلة وأسلحة حارقة تهدف إلى تطبيق سياسة الأرض المحروقة على الأحراج، وتقليص الغطاء الحرجي الكثيف المحيط ببلدة سجد وجبل الريحان، لإلغاء ميزة التمويه الطبيعي التي يستفيد منها المقاتِلون في المنطقة.

ويشير إلى أن تقارير الأجهزة الأمنية اللبنانية أفادت بأن الغارات الإسرائيلية تزامنت مع تحليق مكثف ومستمر لإنتاج مسح طوبوغرافي ثلاثي الأبعاد للمنطقة، بهدف رصد تحركات مريبة ومحاولة عزل وقطع طرق الإمداد البديلة التي تربط البقاع الغربي بقرى إقليم التفاح، لمنع نقل السلاح الثقيل والتعزيزات البشرية نحو الخطوط الأمامية.

ويلفت الانتباه إلى أن الانتقال الإسرائيلي من التركيز على مرتفعات علي الطاهر إلى جبل الرفيع والريحان يمثل محاولة واضحة لتطبيق إستراتيجية الالتفاف العسكري وعزل الجنوب، حيث إن السيطرة النارية على جبل الريحان تعني عمليًّا قطع الرئة التموينية التي تتغذى منها جبهة القطاعين الشرقي والأوسط في الجنوب.

ويوضح أنه إذا تمكنت إسرائيل من تحييد قدرات الردع في هذه الجبال، فإنها ستصبح قادرة على الإشراف المباشر على منخفضات وادي السلوقي ووادي الحجير من جهة، وتأمين حماية لخاصرتها الضعيفة في القطاع الشرقي.

 ثلاثة سيناريوهات لمسار العمليات
وبناءً على هذه المعطيات الميدانية المستجدة من إقليم التفاح، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار العمليات العسكرية في المنطقة الحيوية.

ويتمثل السيناريو الأول في الاكتفاء بالإنهاك الجوي والاستخباراتي، واستمرار إسرائيل في وتيرة غاراتها المركزة والمتقطعة، دون المغامرة في التقدم بريًّا، للحفاظ على حالة شلل لوجيستي وعملياتي في المرتفعات، والاعتماد على المسيّرات لقنص أيّ تحرك؛ ما يمنع استخدام الجبال كمنصات هجومية ضد البلدات الإسرائيلية في الشمال.

أما السيناريو الثاني، فيستند إلى خيار المعركة البرية المتدرجة وسياسة قضم التلال. وفي حال قررت القيادة العسكرية الإسرائيلية المخاطرة، قد تشهد المنطقة محاولات تسلل بري لقوات النخبة، مثل: لواء غولاني أو الكوماندوز، تحت غطاء ناري غير مسبوق، بهدف السيطرة على قمم محددة في جبل الرفيع وتحويلها إلى نقاط مراقبة ثابتة. 

غير أن هذا السيناريو محفوف بمخاطر وقوع القوات الإسرائيلية في كمائن حرب العصابات وسط الأحراج والأودية السحيقة لسجد والريحان.

وفي حال أخفق الضغط العسكري، يبرز السيناريو الثالث، الذي يتضمن توسيع رقعة الحرب نحو البقاع الغربي، ليدفع إسرائيل إلى توسيع قوس العمليات الحربية ليشمل مناطق راشيا والبلدات البقاعية المتاخمة، والانتقال من مواجهة موضعية محصورة في الجنوب إلى حرب جبهات واسعة ومفتوحة على كافة الاحتمالات الإقليمية.

وفي كل الأحوال، فإن انتقال الهجمات الإسرائيلية إلى مرتفعات جبل الرفيع وأطراف سجد وجبل الريحان يثبت أن المعركة قد غادرت مربعات التراشق التقليدي عند الخط الأزرق الحدودي، لتدخل مرحلة عض الأصابع الإستراتيجي في هذه المرتفعات الإستراتيجية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا