من المنصورية إلى تخوم سوريا… تفاصيل خطف الكيالي وأسماء الخاطفين السبعة

0
11

خاص “ليبانون ديبايت” – ينشر الموقع تفاصيل التحقيقات في قضية خطف علي خليل إبراهيم، المعروف بعلي الكيالي، ويكشف بالأسماء كيف تقاطعت إفادات العائلة مع داتا الاتصالات وكاميرات المراقبة وخطوط هاتف بيعت بذريعة وصول أقارب من أستراليا. ويتتبع الملف مسار العملية من استدراج نجل الكيالي بالتبنّي، إلى اقتحام المنزل في المنصورية، ثم نقل أحد أبرز المشتبه بهم من صيدا إلى الحيصة في عكار على طريق محتمل إلى سوريا.

وتضم لائحة المدعى عليهم سبعة أسماء: بدوان نال سباعي الملقب “أبو محمد”، عثمان معروف حنيني، محمد حسين سمير الدهيبي، محمد زياد شندب، صهيب أمين الحليبي، جعفر علي إبراهيم، ومحمد كنعان سعيد هوشر. وبينهم حنيني، الذي قال إنه تعرّف إلى سباعي قبل نحو 15 عاماً في مسجد بلال بن رباح في عبرا، وسبق أن أوقف في ملف أحداثها. وهذه اتهامات قيد التحقيق، لا أحكام نهائية.

عند الواحدة فجراً في 15 تشرين الأول، رنّ الهاتف في منزل الكيالي بالمنصورية. كان جعفر يطلب من صهر العائلة أحمد اليونس فتح بوابة المبنى. وبعد دقائق، دخل المسلحون، كبّلوا ملاك فاضل، زوجة الكيالي، وأحمد، واقتادوا علي إلى جهة مجهولة. تقول ملاك إنها سمعت أحدهم يقول: “سيدي تمت العملية بنجاح، بس ما بعرف إذا هيدا المكان المضبوط”، قبل أن يطمئنوا زوجها بقولهم: “نحنا الأمن”، ويهددوه بإطلاق النار إن لم يرافقهم.

المخطوف سوري من مواليد 1948، واسمه علي خليل إبراهيم، المعروف أيضاً بعلي الكيالي أو علي كيالي. وبحسب إفادة زوجته، وُلد في تركيا وتعلّم فيها، وكان صحافياً يكتب باللغة التركية، قبل سحب جنسيته التركية ومنعه من دخولها، وفق روايتها. وتقول إنه كان مؤيداً لنظام الأسد ويملك في سوريا نحو 30 شاليهاً ومطعماً في رأس البسيط، إضافة إلى أراضٍ في البسيط وطرطوس واللاذقية. كما أفادت بأن السلطات السورية تتهمه بارتكاب مجزرة بانياس، وهي تهمة تنفيها وتصفها بالافتراء، فيما تتهمه تركيا بالتحريض لاستعادة لواء الإسكندرون. ولا يكشف ملف التحقيق حتى الآن عن مصيره.

بدأ خيط “أبو محمد” بالظهور في حياة العائلة قبل الخطف بأسابيع. ففي 29 أيلول، التقى جعفر ببدوان نال سباعي في محيط مستشفى الرسول الأعظم، ثم تناولوا الغداء في الأوزاعي. وفي 8 تشرين الأول، أظهرت كاميرات المراقبة وصول سباعي إلى منزل العائلة بسيارة “كيا بيكانتو” حمراء برفقة شخص آخر، فيما كان جعفر بانتظارهما. وعندما عُرضت صورة سباعي على أحمد اليونس، تعرّف عليه بنسبة 100%، وقال إنه الشخص الذي التقاه في الأوزاعي، ثم رافق الخاطفين ووضع المسدس على رأسه وكبّله.

وفي 14 تشرين الأول، غادر جعفر المنزل مع “أبو محمد” لمتابعة عمل في مجال السيارات، بحسب ما أبلغ أهله. تأخر في العودة، ولم يجب عن اتصالات العائلة إلا بعد محاولات عدة. وعندما تحدث إلى أحمد، قال له: “طمنيلي السكر”، ثم ضحك بطريقة هستيرية ووعد بالعودة. وبعد نحو ثلاث ساعات، برّر تأخره بأن صوت السيارة كان مرتفعاً فلم يسمع الهاتف. قرابة الواحدة فجراً، اتصل مجدداً وطلب فتح بوابة المبنى؛ وبعد دقائق دخل المسلحون.

تقول ملاك إنها شاهدت رجالاً غير ملثمين يرتدون جعباً سوداء ويحملون مسدسات، قبل أن يُلصقوا فمها ويكبّلوا يديها ويوجهوها نحو الحائط، فيما كان المسدس مصوباً إلى رأسها. أما أحمد، فقال إن “أبو محمد” كان الشخص الذي عرفه بين المقتحمين، بينما كان الآخرون ملثمين. واختلفت إفادتا الشاهدين في وصف وجوه المسلحين، لكنهما اتفقتا على أن أحمد كُبّل وأُلصق فمه، وأن علي اقتيد من المنزل. وبعد مغادرة المسلحين، تبيّن أن الكيالي كان يحمل 20 ليرة ذهبية، كما سُرق هاتف أحمد. وحاولت ملاك فك الأصفاد بمنشار اشترته من محل في المنصورية، قبل أن تتمكن فصيلة برمانا من فكها.

وتشير التحقيقات إلى أن بدوان سباعي، اللبناني المولود عام 1984، كان يقترب من عائلة الكيالي قبل تنفيذ العملية، وأن ثلاثة أرقام هاتفية، إضافة إلى رقمه، تحركت برفقته من محيط منزل الكيالي لحظة الخطف. وأظهر كشف المحفوظات وجود ملف سابق لسباعي في قضايا إطلاق نار وشجار وضرب وإيذاء؛ وهي قيود لا تعني حكماً نهائياً في القضية الحالية.

أما عثمان معروف حنيني، اللبناني المولود عام 1987، فتعود علاقته بسباعي، بحسب إفادته، إلى نحو 15 عاماً، حين تعرّف إليه في مسجد بلال بن رباح في عبرا. وقال إن سباعي عمل في متجره لبيع التمور بين عامي 2020 و2022، ثم توطدت علاقتهما مجدداً مطلع 2026 بعد إصابة سباعي بسرطان المعدة، فساعده في تأمين بعض العلاجات. وأضاف أن سباعي كان مديناً له بمبلغ من المال، سدّده في أيار عبر نقل فان مخصص لنقل البضائع إليه، وأنه ظل يساعده في تسجيل الفان.

وتوقف هاتف حنيني في صيدا قبل الخطف بساعتين، ثم عاد إلى العمل في تل عباس بعكار لنحو ساعة قبل أن يُطفأ، وفق دراسة الاتصالات. وأقر حنيني بأنه نقل سباعي صباح 15 تشرين الأول بسيارته “نيسان” من صيدا إلى الحيصة، مروراً بخلدة وبيروت وجونية وجبيل وطرابلس، ثم بحاجزي المدفون ودير عمار. وقال إن سباعي طلب مرافقته لمتابعة علاج من السرطان، وإنه لم يكن يعرف أنه متورط في الخطف.

لكن إفادة حنيني حملت تناقضات واجهه بها المحققون. فقد قال إن سباعي كان يتواصل مع سائق سيارة أجرة ليكمل إلى سوريا، مع أن سيارة لم تكن تنتظره حين أنزله في الحيصة، على بعد نحو كيلومترين من متجر التاجر حسين الزوقي الذي قصده حنيني لشراء بضاعة. وقال إن سباعي كان يتحدث على الهاتف خلال الطريق، ثم أخبره أنه سيتولى ترتيب انتقاله بنفسه. كما أقرّ بأنه مرّ به عبر حاجزين أمنيين بعدما أنكر في البداية نقله، موضحاً أنه خاف من التورط بعد أن علم بضلوع سباعي في الخطف.

والأشد أهمية أن حنيني قال إن رسائل وصلته خلال الطريق عن خطف الكيالي، وإنه تداول الخبر مع سباعي. وأضاف أنهما تحدثا عن أعمال الكيالي وما نُسب إليه في سوريا، وعن “الإنجاز” الذي تحقق بخطفه، وقال إنه سُرّ بالخبر. كما أصرّ حنيني على أنه تلقى اتصالاً من سباعي قرابة الساعة 11:30 ليلاً في 14 تشرين الأول، قبل ساعات من الخطف، لكن دراسة الاتصالات لم تُظهر ذلك الاتصال. وفي إفادة لاحقة، قال إنه خاف بعدما علم من سباعي بضلوعه في العملية.

وبحسب المحضر، سبق أن أوقف حنيني في ملف أحداث عبرا المرتبط بالشيخ أحمد الأسير، وقال إنه أمضى ثلاث سنوات في السجن على خلفية تهمة الإرهاب. وهذه هي الصلة التي يوردها الملف، من دون أن يثبت صراحة عضويته في جماعة الأسير. كما أشار كشف المحفوظات إلى ملفات سابقة لحنيني في قضايا بينها القتل والسرقة والانتماء إلى عصابة إرهابية والاختلاس، من دون أن يعني ورودها في الكشف صدور أحكام مبرمة فيها.

ومن مسار عكار إلى خطوط الهاتف، برز اسما محمد زياد شندب، اللبناني المولود عام 2006 في سير الضنية، وصهيب أمين الحليبي، المولود عام 2004 في البلدة نفسها. وبحسب إفادة محمد كنعان سعيد هوشر، طلب منه شندب في 2 آب ثلاثة خطوط هاتفية، ثم أربعة خطوط وهاتفين من نوع “تكنو” في 9 آب، وخطاً آخر في 8 أيلول. وكان يبرر الطلب بأن الخطوط لأقارب قادمين من أستراليا، فيما كان الحليبي يتولى استلامها.

وقال هوشر إن شندب حوّل 120 دولاراً عبر “Wish Money” من أصل 140 دولاراً ثمن الخطوط الثلاثة، وأُكمل المبلغ نقداً، ثم حوّل 450 دولاراً لقاء أربعة خطوط وهاتفين. وأضاف أن شندب تواصل معه قرابة منتصف ليل 15 تشرين الأول، ليلة الخطف، وطلب ستة خطوط إضافية، لكنها لم تُستلم بعد انقطاع التواصل. ووجد المحققون في هاتف هوشر صوراً لمحادثات “واتساب” تناولت شراء الخطوط وتسليمها والدفع عبر التطبيق.

وأقرّ هوشر، المولود عام 1997، بأنه كان يبيع شرائح من دون طلب هويات أو امتلاك وكالة رسمية من شركات الاتصالات، لكنه نفى علمه بأي استخدام أمني لها، وقال إن هدفه كان الربح وإنه لا يجني أكثر من 5 دولارات عن الشريحة. وذكر أنه اشترى الخطوط من شركة “Hifi” في ساحة النور بطرابلس، وأن شندب طلب منه ثمانية خطوط تسلّمها الحليبي، فيما بقيت الخطوط الستة التي طلبها ليلة الخطف من دون استلام. وأفاد بأن الحليبي غادر إلى السعودية، وطلب المحققون التحقق من حركة دخول شندب والحليبي وخروجهما.

وبرز اسم محمد حسين سمير الدهيبي، اللبناني المولود عام 1993، بعد رصد اتصال من هاتفه برقم مشتبه به. وفي إفادته، قال إن رجلاً أوقف الفان الذي كان يستقله قرب البترون في 2 تشرين الأول، وطلب استخدام هاتف أحد الركاب بعدما ادعى أنه نسي هاتفه في سيارة أوصلته. وقال الدهيبي إنه لا يعرف الرجل وإنه لم يكن يعلم بالخطف. وهو يعمل مفتشاً في شركة “AIL”، التي تدير مستودعات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، ويُرسل أحياناً إلى مستودع “Agility” في زوق مصبح.

وعلى مستوى الأدلة، راجع المحققون كاميرات المراقبة وحللوا داتا الاتصالات، وضبطوا سيارة “نيسان” العائدة لحنيني و”كيا بيكانتو” الحمراء التي ظهر فيها سباعي قبل الخطف. كما أودعوا هواتف في الفرع الفني للتحليل، وطلبوا تتبع حركة دخول وخروج شندب والحليبي. ولا يثبت الملف أن سباعي عبر إلى سوريا فعلاً، كما لا يحسم أن الكيالي نُقل إليها؛ الثابت أن سباعي وصل إلى الحيصة، ومنها كان يتحدث عن استكمال الطريق إلى سوريا.

وفي 3 تشرين الثاني، ادعى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال حلاوي على السبعة، وطلب إصدار مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق حنيني والدهيبي، ومذكرات غيابية بحق سباعي وشندب والحليبي وجعفر. وأُحيل الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر. أما هوشر، فترك رهن التحقيق، وتناولت ملاحقته بيع وشراء الخطوط من دون التقيد بالتعاميم. وبين المسجد في عبرا، والخطوط التي قيل إنها لأقارب قادمين من أستراليا، ورحلة الحيصة التي انتهت عند تخوم الحدود، يبقى السؤال الأهم بلا جواب: أين علي الكيالي، ومن كان يعرف أن طريق الخطف لن ينتهي عند باب المنزل؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا